السيد محمد حسين فضل الله
51
من وحي القرآن
في وحدة الخالق المربّي الذي يرعى حركة وجودها ، ويمنح كل واحدة منها الخصائص التي تؤدي بها إلى غاية الوجود فيها ، لتتآزر كلها في أخوّة وجودية تجعل من ساحة الكون مجالًا للتكامل ، فكل وجود منها مسخّر لوجود آخر ، حتى مظاهر الصراع بينها لا تبتعد عن نقطة التوازن في دائرة التكامل ، فالحيوان الصغير الذي ينمو ليكون طعاما للحيوان الكبير ، لا يعيش الصراع بين وجودين ، ولكنه يمثّل الوجود الذي يمنح ذاته لوجود آخر ، ليتابع نموّه واستمراره في حركة الوجود الصاعد إلى الغاية الكبرى للوجود كله ، من خلال التخطيط الإلهيّ للنظام الوجودي الكونيّ الكبير . ومن خلال ذلك ، نستلهم الفكرة الإيمانية التي ترتكز على تآخي الموجودات في حركة الوجود . وهذا ما نتمثله في التطلّع الإيماني الذي ينطلق به الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام عندما يتطلع إلى الصباح ، وهو يستقبل الكون كله في شروق الشمس ، فيشعر بوحدة الإنسان مع الكون كله بين يدي اللَّه ، وفي قبضته وتدبيره ، في دعاء الصباح والمساء : « أصبحنا ( أو أمسينا ) وأصبحت الأشياء كلها بجملتها لك ، سماؤها وأرضها وما بثثت في كل واحد منهما ، ساكنه ومتحرّكه ومقيمه وشاخصه ، وما علا في الهواء وما كنّ تحت الثرى . أصبحنا في قبضتك ، يحوينا ملكك وسلطانك ، وتضمّنا مشيّتك ، ونتصرّف عن أمرك ، ونتقلّب في تدبيرك ، ليس لنا من الأمر إلّا ما قضيت ، ولا من الخير إلّا ما أعطيت » « 1 » . وهذا هو المفهوم الثاني من التصور الإسلامي للعقيدة باللَّه ، فهو ربّ العالمين ، أي : « رب الوجود » . وهو الرب الذي يرعى خلقه ويقودهم إلى ما فيه هداهم ، ويحقق لهم التوازن والتكامل في دائرة الوجود الخاص أو العام .
--> ( 1 ) الصحيفة السجادية ، دعاء الصباح والمساء .